عبد الله بن أحمد النسفي
58
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 39 إلى 41 ] وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) منهما بعد ما كانوا عميا في الدنيا ، قال قتادة : إن عموا وصمّوا عن الحقّ في الدنيا فما أسمعهم وما أبصرهم بالهدى يوم لا ينفعهم ، وبهم مرفوع المحلّ على الفاعلية كأكرم بزيد ، فمعناه كرم زيد جدا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ أقيم الظاهر مقام المضمر ، أي لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسهم حيث تركوا الاستماع والنظر حين يجدي عليهم ، ووضعوا العبادة في غير موضعها فِي ضَلالٍ عن الحقّ مُبِينٍ ظاهر ، وهو اعتقادهم عيسى إلها معبودا مع ظهور آثار الحدث فيه إشعارا بأن لا ظلم أشدّ من ظلمهم . 39 - وَأَنْذِرْهُمْ خوّفهم يَوْمَ الْحَسْرَةِ يوم القيامة لأنه يقع فيه الندم على ما فات ، وفي الحديث : ( إذا رأوا منازلهم في الجنة أن لو آمنوا ) « 1 » إِذْ بدل من يوم الحسرة ، أو ظرف للحسرة وهو مصدر قُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ هنا عن الاهتمام لذلك المقام وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لا يصدّقون به ، وهم وهم حالان ، أي وأنذرهم على هذا الحال غافلين غير مؤمنين . 40 - إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نتفرد بالملك والبقاء عند تعميم الهلك والفناء ، وذكر من لتغليب العقلاء وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ بضم الياء وفتح الجيم ، وفتح الياء يعقوب ، أي يردّون فيجازون جزاء وفاقا . 41 - وَاذْكُرْ لقومك فِي الْكِتابِ القرآن إِبْراهِيمَ قصته مع أبيه إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا بغير همز ، وهمزه نافع ، قيل الصادق المستقيم في الأفعال ، والصدّيق المستقيم في الأحوال ، فالصّدّيق من أبنية المبالغة ونظيره الضّحّيك ، والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدّق به من غيوب اللّه وآياته وكتبه ورسله ، أي كان مصدّقا لجميع الأنبياء وكتبهم ، وكان نبيا في نفسه ، وهذه الجملة وقعت اعتراضا بين إبراهيم وبين ما هو بدل منه وهو :
--> ( 1 ) لم أجده هكذا والذي في الطبري عن عبد اللّه في قصة ذكرها قال : ما من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة ، فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعد اللّه لهم لو آمنوا فيقال لهم : لو آمنتم وعملتم صالحا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة . فتأخذهم الحسرة ، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار فيقال : لولا أن منّ اللّه عليكم .